محمد غازي عرابي

695

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الناس ، فموسى هنا الإنسان الكامل والعارف الذي يمثل الجمع كما قال في إبراهيم عليه السّلام : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [ النّحل : 120 ] . أما الدمار الذي أصاب القوم المكذبين بآيات اللّه فهو ناجم عن الكشف المبين أن الكفار والمنافقين المكذبين هم بدورهم تعينات أسماء إلهية أيضا مثل الضار والمذل والخافض والمنتقم ، فالدمار كون هؤلاء موجودين وغير موجودين أشباحا وإن ظهروا بشرا أقوياء فاعلين ، وما ظهروا وما فعلوا إلا بإذنه لا إله إلا هو ، قال سبحانه : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ النّحل : الآية 9 ] . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 36 إلى 39 ] فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ( 36 ) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 37 ) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ( 38 ) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً ( 39 ) [ الفرقان : 36 ، 39 ] الكشف يري أن الوجود كله وحدة جامعة ، وأن الناس على كثرتهم هم وحدة أيضا ينضوون تحت لواء الواحد ، والغرق هو غرق الكثرة في بحر الكلي ، وما رفعنا نحن قواعد هذا التفسير إلا على أساس هذا الكلي الذي لا يعود الناس فيه إلا صورا من صوره ، فلا تقل زيد وعمرو بل ولا تقل موسى وعيسى وهارون ، بل قل للّه الوجهان الظاهر والباطن ، فالظاهر الخلق والباطن الحق . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 40 إلى 41 ] وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ( 40 ) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ( 41 ) [ الفرقان : 40 ، 41 ] مطر السوء تساقط الأفكار على الإنسان من سماء الغيب ، فالإنسان يحيا تحت هذه السحابة العظيمة التي هي الفكر . . ولما كان الفكر مضلة يذهب شمالا ويذهب يمينا ، كما أوضح ذلك الفيلسوف كانط ، كان الفكر أحيانا مطر سوء ، حتى إذا آذن اللّه بالفتح ارتفع الستار ، فإذا الفكر من إشعاع الروح الكلي ، وإذا مطر السوء يصبح مطر رحمة ، ويدخل المكاشف بعده في الصالحين . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 42 إلى 43 ] إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 42 ) أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ( 43 ) [ الفرقان : 42 ، 43 ]